*(الحلقة الثانية من سلسلة العقيدة للطالب أبي البراء محمد العامري )*
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الهادي بقواطع الأدلة إلى حقائق الملة
الموضح بأنوار الحجة سبيل المحاجة
المنور ببينات البراهين غوامض الدين
الكاشف لمكلفي الخلائق أنواع الحقائق
ليحيا من حي عن بينة ويحق القول على الكافرين
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد حامل راية الدين سيد المنزهين وإمام المتقين ...
وعلى آله وأصحابه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ...
أما بعد:
فلقاؤنا يتجدد معكم أعزائي طلاب الحق والحقيقة والشرع والشريعة والمذهب والطريقة ... حول تنزيه الحق سبحانه وتعالى.
**فأهلا وسهلا بكم**
مما لاريب فيه أن الخوض في كنه ذات الله سبحانه وتعالى بحر تتحطم فيه سفائن العقول، لذلك كان* أهل الحق والاستقامة السادة الإباضية* أشد الناس حذرا وورعا ودقة عند الكلام عن صفات الحق جل جلاله ...
*ولما كان شرف الكلام منوطا بشرف الموضوع .. كان كلام أهل الحق غاية في الشرف لتعلقه بالحق سبحانه وتعالى، ولما كانت قوة الكلام منوطة بقوة الأدلة .. عمد السادة الإباضية إلى الاعتماد على الأدلة القطعية من محكمات القرآن الحكيم ومتواتر سنة المصطفى الكريم عليه الصلاة والسلام.
*وكان سر هذا الاعتماد لما تعرضت له السنة من تيارات إسرائيلية تارة ومن أحاديث موضوعة مكذوبة تارة أخرى.. ومن جهة ثانية فإن الحديث الأحادي يفيد الظن بإجماع الأمة إلا من شذ من الحشوية.. فيستدل بالحديث الآحادي في الأمور العملية ويستأنس به في الأمور العقدية..
ولما كانت العقيدة هي ثمرة اليقين كان لزاما أن يكون الدليل المستدل به في العقيدة يقينيا .. ولا يتأتى ذلك إلا في القطعيات.
*هذا، وقد اتخذ أهل الحق والاستقامة في الكلام عن صفات الحق سبحانه منهجا قويما عظيما سليما يعتمد في أصوله على 4 أركان.. فيما يلي بيانها:
* الركن الأول: الاستدلال بالآيات المحكمات.. ورد المتشابهات إلى المحكمات عملا بقوله تعالى:
" هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب" آل عمران 7
* فأنتم ترون أن الله سبحانه وتعالى قسم كتابه العزيز إلى محكم ومتشابه.. وسمى المحكم أم الكتاب.. والأم في اللغة الأصل.. فكما أن الفرع يرد إلى الأصل فكذلك المتشابه يرد إلى المحكم.. وعند مزيد تأمل للآية ندرك ملحظا مهما وخطيرا جدا وهو إنكار الحق سبحانه على من يعتمدون على المتشابهات بدون ردها إلى المحكمات مع أنها آيات قرآنية ! فما بالك بأحاديث أحادية صحيحة؟ فضلا عمن يعتمدون على روايات إسرائيلية وموضوعة.. يدرك ذلك من تأمل في كتب رواياتهم ابتداء من صحيح البخاري ومسلم وانتهاء بكتاب السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل وإبطال التأويلات لأبي يعلى ابن الفراء
*وكما ترون أيضا تسمية الحق سبحانه لأمثال أولئك ب: في قلوبهم زيغ.. وأنهم يبتغون الفتنة والتأويل بغير مراد الحق سبحانه وتعالى.. ونرى ذلك جليا في هؤلاء الشرذمة من الناس.. فلله الأمر من قبل ومن بعد
* والمحكم هو مالايحتمل إلا وجها واحدا كقوله تعالى:" قل هو الله أحد" وقوله: " لاتدركه الأبصار"
* والمتشابه ما احتمل أكثر من وجه.. وسيأتي بيان شيء من ذلك بعد ذكر الأركان الأربعة إن شاء الله تعالى ..
* الركن الثاني: أن يكون التأويل مستساغا من حيث اللغة العربية الصحيحة.. لأن القرآن نزل باللسان العربي.. فلا يمكن فهمه إلا بقواعد هذا اللسان.. والحق سبحانه أنزله بلسان عربي مبين حتى نعقله بدليل قوله تعالى:" إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " يوسف2
* فمثلا ليس من السائغ لغويا أن يفسر إدراك البصر بالإحاطة في قوله تعالى:" لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " الأنعام 103
لأن اللغة لاتسعفه أبدا.. فإدراك البصر هو الرؤية بإجماع المعاجم اللغوية.. ومن العجيب أن نجد من كبار المناصرين لتأويل إدراك البصر بالإحاطة تأييدا للعقيدة الفاسدة برؤية الرحمن في الآخرة عياذا بالله.. كابن القيم نجده يؤول إدراك البصر بالرؤية عندما كان يتحدث في موضوع خارج العقيدة لأنه لم تتسلط عليه حينئذ مكابرة الحق في تحريف المعنى كما هو ديدنه عند تأويل الآية في سياقها العقدي..
وإليكم النص من كتابه الطب النبوي
تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط
دار الرسالة العلمية
الطبعة الرابعة 1431ه
صحيفة(99)
"واعلم أنه كما يرتفع من الأرض إلى الجو بخاران أحدهما حار يابس والآخر حار رطب فينعقدان سحابا متراكما ويمنعان أبصارنا من إدراك السماء فكذلك يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثل ذلك فيمنعان النظر ويتولد عنهما علل شتى" انتهى.
* فأنت ترى عزيزي القارئ أن قوله:" ويمنعان أبصارنا من إدراك السماء" أي من رؤيتها كما هو واضح من السياق.. وأكد عليه بالمقابلة فقال: " فيمنعان النظر" فلا يمكن هنا أن تفسر بإحاطة الأبصار للسماء لأن الإحاطة لاتكون مع السحاب ولاتكون أيضا بانعدامه..
وأترك لك عزيزي طالب الحق المنصف التعليق على تحريف علمائهم للغة العربية عند الانتصار لعقيدة تسللت إليهم من اليهود.. والله المستعان.
* الركن الثالث: أن يكون التأويل متناسقا مع النظم القرآني بأكمله.. فيستحيل أن يكون ثمة تناقض بين آية وأخرى.. لأن القرآن لاريب فيه.. قال تعالى:" لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد " فصلت 42
بل إن الحق سبحانه بين أن القرآن لو كان عند غيره لامتلأ بالتناقض والاختلاف فقال سبحانه:" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا " النساء 82 ٍ
*فإن تصادم تأويل آية مع آية أخرى علمنا يقينا أن ذلك التأويل باطل لايصح.. وبالمثال يتضح المقال.. فقوله تعالى في سورة القيامة:" إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَة" القيامة 23 يستحيل تفسيرها بالنظر الحقيقي لعدة اعتبارات.. مايهمنا هنا هو توضيح حيثيات التأويل الذي يؤدي لتعارض الآيات.. إذن يستحيل تفسيرها بالنظر الحقيقي لأنها ستتعارض مع قوله تعالى:" لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير" الأنعام 103 والتي تفيد استحالة الرؤية كما بينا آنفا .
* الركن الرابع: لابد عند تأويل الآيات في وصف الحق سبحانه وتعالى أن نجعل نصب أعيننا تنزيهه المطلق عن سائر المخلوقات كما فصلنا طرفا من ذلك في الحلقة الأولى من هذه السلسلة العقدية.. قال سبحانه:
" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير " الشورى 11ُ
" فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون " النحل 74
"فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" البقرة 22
" وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ " الإخلاص 4َ
وغيرها من الآيات الكثيرة الناصة على تنزيه الحق سبحانه..
* أما الوهابية المجسمة الذين لايقدرون الله حق قدره فينطبق عليهم قوله سبحانه وتعالى:" سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون " الصافات 180َ
فإذا ما مررنا بآية متشابهة يؤدي تأويلها الظاهري للتشبيه والتجسيم.. كان لزاما علينا صرف تأويلها الظاهري إلى تأويل يليق بمقام الحق سبحانه وتعالى.. كما أمر الله سبحانه وتعالى بذلك..
*وختاما عزيزي القارئ المنصف أتركك مع هذا المثال الذي ستسعد فيه حتما بمنهج أهل الحق والاستقامة السادة الإباضية القائم على الأوامر الربانية الصمدانية في تفسير الآيات المتعلقة بصفات القدوس عز شأنه.
*قوله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا" الفتح 10 فكلمة (يد) في قوله تعالى:" يد الله فوق أيديهم"
هي من المتشابهات لأن اليد في اللغة تفيد معاني كثيرة منها الكرم والقوة والجارحة المعروفة والتأييد وووو.
فلا بد من اختيار معنى مناسب من تلك المعاني يتناسب و الآيات المحكمات من مثل قوله تعالى:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير" الشورى 11ُ
فإن فسرنا اليد بالجارحة لوقعنا في تجسيم الرحمن ووصفه بالنقص لأن اليد دليل افتقار للإمساك بالأشياء.. والافتقار لايليق بالألوهية والعظمة.. إذن لايمكن تفسير اليد بالجارحة لأن المحكم يرفض هذا التأويل ولأنه يتنافى مع تنزيه الحق سبحانه ولأنه يؤدي إلى تضارب الآيات من حيث التجسيم والتشبيه..
*وبالنظر إلى السياق اللغوي يتبين لنا جليا أن قوله سبحانه:" يد الله فوق أيديهم" كناية عن تأييد الحق سبحانه وتعالى لأولئك المخلصين الذين بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام.
*فأنت ترى عمق منهج أهل الحق وصفاءه وجماله ... فلله دركم يا أئمة التنزيه.
*على أن الحشوية المجسمة الذين يمرون الآيات على ظواهرها يقعون في تناقضات عجيبة.. -ليس هذا محل تفصيلها- إلا أننا نكتفي بملحظين مهمين حول عقيدتهم التي تنص على: ( أن لله صفة يدين حقيقيتين تثبت بلا تكييف وبلا تحريف لمعناها بالتأويل)
*الملحظ الأول: هو أن اليد جارحة وليست صفة.. كما أن قولكم بلا تحريف لمعناها بالتأويل يناقض منهجكم العقيم؛ لأنكم فسرتم اليد على ظاهرها فإن شئتم أن لاتؤلوا فقولوا لاندري معناها.. أما أن تقولوا هي يد حقيقية فهذا تأويل فقد اخترتم معنى الجارحة من بين سائر المعاني.. فلم اللعب على حبلين؟! وقولكم بلا كيف هو تناقض وفلسفة لامبرر لها إلا الهروب من الحق.
*الملحظ الثاني: تفسير اليد بالجارحة مرفوض باعتبارات كثيرة كما بينا آنفا.. إلا أنني أركز الآن على أن هذا التفسير الظاهري العقيم يؤدي إلى الاضطراب في تفسير الآيات.. فماذا عساهم يقولون في قوله تعالى:" وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون" الذاريات 47
فهل لله يدان أم أياد؟!!!!!!
*سؤال لم ولن يستطيع الوهابي المجسم أن يجيب عليه حتى يلج الجمل في سم الخياط.. والله المستعان .
" وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ " الأنعام 83
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الهادي بقواطع الأدلة إلى حقائق الملة
الموضح بأنوار الحجة سبيل المحاجة
المنور ببينات البراهين غوامض الدين
الكاشف لمكلفي الخلائق أنواع الحقائق
ليحيا من حي عن بينة ويحق القول على الكافرين
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد حامل راية الدين سيد المنزهين وإمام المتقين ...
وعلى آله وأصحابه المنتجبين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ...
أما بعد:
فلقاؤنا يتجدد معكم أعزائي طلاب الحق والحقيقة والشرع والشريعة والمذهب والطريقة ... حول تنزيه الحق سبحانه وتعالى.
**فأهلا وسهلا بكم**
مما لاريب فيه أن الخوض في كنه ذات الله سبحانه وتعالى بحر تتحطم فيه سفائن العقول، لذلك كان* أهل الحق والاستقامة السادة الإباضية* أشد الناس حذرا وورعا ودقة عند الكلام عن صفات الحق جل جلاله ...
*ولما كان شرف الكلام منوطا بشرف الموضوع .. كان كلام أهل الحق غاية في الشرف لتعلقه بالحق سبحانه وتعالى، ولما كانت قوة الكلام منوطة بقوة الأدلة .. عمد السادة الإباضية إلى الاعتماد على الأدلة القطعية من محكمات القرآن الحكيم ومتواتر سنة المصطفى الكريم عليه الصلاة والسلام.
*وكان سر هذا الاعتماد لما تعرضت له السنة من تيارات إسرائيلية تارة ومن أحاديث موضوعة مكذوبة تارة أخرى.. ومن جهة ثانية فإن الحديث الأحادي يفيد الظن بإجماع الأمة إلا من شذ من الحشوية.. فيستدل بالحديث الآحادي في الأمور العملية ويستأنس به في الأمور العقدية..
ولما كانت العقيدة هي ثمرة اليقين كان لزاما أن يكون الدليل المستدل به في العقيدة يقينيا .. ولا يتأتى ذلك إلا في القطعيات.
*هذا، وقد اتخذ أهل الحق والاستقامة في الكلام عن صفات الحق سبحانه منهجا قويما عظيما سليما يعتمد في أصوله على 4 أركان.. فيما يلي بيانها:
* الركن الأول: الاستدلال بالآيات المحكمات.. ورد المتشابهات إلى المحكمات عملا بقوله تعالى:
" هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَاب" آل عمران 7
* فأنتم ترون أن الله سبحانه وتعالى قسم كتابه العزيز إلى محكم ومتشابه.. وسمى المحكم أم الكتاب.. والأم في اللغة الأصل.. فكما أن الفرع يرد إلى الأصل فكذلك المتشابه يرد إلى المحكم.. وعند مزيد تأمل للآية ندرك ملحظا مهما وخطيرا جدا وهو إنكار الحق سبحانه على من يعتمدون على المتشابهات بدون ردها إلى المحكمات مع أنها آيات قرآنية ! فما بالك بأحاديث أحادية صحيحة؟ فضلا عمن يعتمدون على روايات إسرائيلية وموضوعة.. يدرك ذلك من تأمل في كتب رواياتهم ابتداء من صحيح البخاري ومسلم وانتهاء بكتاب السنة لعبدالله بن أحمد بن حنبل وإبطال التأويلات لأبي يعلى ابن الفراء
*وكما ترون أيضا تسمية الحق سبحانه لأمثال أولئك ب: في قلوبهم زيغ.. وأنهم يبتغون الفتنة والتأويل بغير مراد الحق سبحانه وتعالى.. ونرى ذلك جليا في هؤلاء الشرذمة من الناس.. فلله الأمر من قبل ومن بعد
* والمحكم هو مالايحتمل إلا وجها واحدا كقوله تعالى:" قل هو الله أحد" وقوله: " لاتدركه الأبصار"
* والمتشابه ما احتمل أكثر من وجه.. وسيأتي بيان شيء من ذلك بعد ذكر الأركان الأربعة إن شاء الله تعالى ..
* الركن الثاني: أن يكون التأويل مستساغا من حيث اللغة العربية الصحيحة.. لأن القرآن نزل باللسان العربي.. فلا يمكن فهمه إلا بقواعد هذا اللسان.. والحق سبحانه أنزله بلسان عربي مبين حتى نعقله بدليل قوله تعالى:" إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ " يوسف2
* فمثلا ليس من السائغ لغويا أن يفسر إدراك البصر بالإحاطة في قوله تعالى:" لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " الأنعام 103
لأن اللغة لاتسعفه أبدا.. فإدراك البصر هو الرؤية بإجماع المعاجم اللغوية.. ومن العجيب أن نجد من كبار المناصرين لتأويل إدراك البصر بالإحاطة تأييدا للعقيدة الفاسدة برؤية الرحمن في الآخرة عياذا بالله.. كابن القيم نجده يؤول إدراك البصر بالرؤية عندما كان يتحدث في موضوع خارج العقيدة لأنه لم تتسلط عليه حينئذ مكابرة الحق في تحريف المعنى كما هو ديدنه عند تأويل الآية في سياقها العقدي..
وإليكم النص من كتابه الطب النبوي
تحقيق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط
دار الرسالة العلمية
الطبعة الرابعة 1431ه
صحيفة(99)
"واعلم أنه كما يرتفع من الأرض إلى الجو بخاران أحدهما حار يابس والآخر حار رطب فينعقدان سحابا متراكما ويمنعان أبصارنا من إدراك السماء فكذلك يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثل ذلك فيمنعان النظر ويتولد عنهما علل شتى" انتهى.
* فأنت ترى عزيزي القارئ أن قوله:" ويمنعان أبصارنا من إدراك السماء" أي من رؤيتها كما هو واضح من السياق.. وأكد عليه بالمقابلة فقال: " فيمنعان النظر" فلا يمكن هنا أن تفسر بإحاطة الأبصار للسماء لأن الإحاطة لاتكون مع السحاب ولاتكون أيضا بانعدامه..
وأترك لك عزيزي طالب الحق المنصف التعليق على تحريف علمائهم للغة العربية عند الانتصار لعقيدة تسللت إليهم من اليهود.. والله المستعان.
* الركن الثالث: أن يكون التأويل متناسقا مع النظم القرآني بأكمله.. فيستحيل أن يكون ثمة تناقض بين آية وأخرى.. لأن القرآن لاريب فيه.. قال تعالى:" لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد " فصلت 42
بل إن الحق سبحانه بين أن القرآن لو كان عند غيره لامتلأ بالتناقض والاختلاف فقال سبحانه:" أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا " النساء 82 ٍ
*فإن تصادم تأويل آية مع آية أخرى علمنا يقينا أن ذلك التأويل باطل لايصح.. وبالمثال يتضح المقال.. فقوله تعالى في سورة القيامة:" إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَة" القيامة 23 يستحيل تفسيرها بالنظر الحقيقي لعدة اعتبارات.. مايهمنا هنا هو توضيح حيثيات التأويل الذي يؤدي لتعارض الآيات.. إذن يستحيل تفسيرها بالنظر الحقيقي لأنها ستتعارض مع قوله تعالى:" لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير" الأنعام 103 والتي تفيد استحالة الرؤية كما بينا آنفا .
* الركن الرابع: لابد عند تأويل الآيات في وصف الحق سبحانه وتعالى أن نجعل نصب أعيننا تنزيهه المطلق عن سائر المخلوقات كما فصلنا طرفا من ذلك في الحلقة الأولى من هذه السلسلة العقدية.. قال سبحانه:
" لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير " الشورى 11ُ
" فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون " النحل 74
"فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" البقرة 22
" وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ " الإخلاص 4َ
وغيرها من الآيات الكثيرة الناصة على تنزيه الحق سبحانه..
* أما الوهابية المجسمة الذين لايقدرون الله حق قدره فينطبق عليهم قوله سبحانه وتعالى:" سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون " الصافات 180َ
فإذا ما مررنا بآية متشابهة يؤدي تأويلها الظاهري للتشبيه والتجسيم.. كان لزاما علينا صرف تأويلها الظاهري إلى تأويل يليق بمقام الحق سبحانه وتعالى.. كما أمر الله سبحانه وتعالى بذلك..
*وختاما عزيزي القارئ المنصف أتركك مع هذا المثال الذي ستسعد فيه حتما بمنهج أهل الحق والاستقامة السادة الإباضية القائم على الأوامر الربانية الصمدانية في تفسير الآيات المتعلقة بصفات القدوس عز شأنه.
*قوله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا" الفتح 10 فكلمة (يد) في قوله تعالى:" يد الله فوق أيديهم"
هي من المتشابهات لأن اليد في اللغة تفيد معاني كثيرة منها الكرم والقوة والجارحة المعروفة والتأييد وووو.
فلا بد من اختيار معنى مناسب من تلك المعاني يتناسب و الآيات المحكمات من مثل قوله تعالى:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير" الشورى 11ُ
فإن فسرنا اليد بالجارحة لوقعنا في تجسيم الرحمن ووصفه بالنقص لأن اليد دليل افتقار للإمساك بالأشياء.. والافتقار لايليق بالألوهية والعظمة.. إذن لايمكن تفسير اليد بالجارحة لأن المحكم يرفض هذا التأويل ولأنه يتنافى مع تنزيه الحق سبحانه ولأنه يؤدي إلى تضارب الآيات من حيث التجسيم والتشبيه..
*وبالنظر إلى السياق اللغوي يتبين لنا جليا أن قوله سبحانه:" يد الله فوق أيديهم" كناية عن تأييد الحق سبحانه وتعالى لأولئك المخلصين الذين بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام.
*فأنت ترى عمق منهج أهل الحق وصفاءه وجماله ... فلله دركم يا أئمة التنزيه.
*على أن الحشوية المجسمة الذين يمرون الآيات على ظواهرها يقعون في تناقضات عجيبة.. -ليس هذا محل تفصيلها- إلا أننا نكتفي بملحظين مهمين حول عقيدتهم التي تنص على: ( أن لله صفة يدين حقيقيتين تثبت بلا تكييف وبلا تحريف لمعناها بالتأويل)
*الملحظ الأول: هو أن اليد جارحة وليست صفة.. كما أن قولكم بلا تحريف لمعناها بالتأويل يناقض منهجكم العقيم؛ لأنكم فسرتم اليد على ظاهرها فإن شئتم أن لاتؤلوا فقولوا لاندري معناها.. أما أن تقولوا هي يد حقيقية فهذا تأويل فقد اخترتم معنى الجارحة من بين سائر المعاني.. فلم اللعب على حبلين؟! وقولكم بلا كيف هو تناقض وفلسفة لامبرر لها إلا الهروب من الحق.
*الملحظ الثاني: تفسير اليد بالجارحة مرفوض باعتبارات كثيرة كما بينا آنفا.. إلا أنني أركز الآن على أن هذا التفسير الظاهري العقيم يؤدي إلى الاضطراب في تفسير الآيات.. فماذا عساهم يقولون في قوله تعالى:" وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون" الذاريات 47
فهل لله يدان أم أياد؟!!!!!!
*سؤال لم ولن يستطيع الوهابي المجسم أن يجيب عليه حتى يلج الجمل في سم الخياط.. والله المستعان .
" وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ " الأنعام 83
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق